محمد بن جرير الطبري
5
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عشر شهرا ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام . فقال في ذلك قائلون من الناس : ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها لقد اشتاق الرجل إلى مولده مكة . فقال الله عز وجل : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . وقيل : قائل هذه المقالة المنافقون ، وإنما قالوا ذلك استهزاء بالإِسلام . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم قبل المسجد الحرام ، اختلف الناس فيها ، فكانوا أصنافا ، فقال المنافقون : ما بالهم كانوا على قبلة بيت المقدس زمانا ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها ؟ فأنزل الله في المنافقين : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ الآية كلها . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني بذلك عز وجل : قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا لك ولأَصحابك : : ما ولاكم عن قبلتكم من بيت المقدس التي كنتم على التوجه إليها ، إلى التوجه إلى شطر المسجد الحرام : لله ملك المشرق والمغرب ؛ يعني بذلك ملك ما بين قطري مشرق الشمس ، وقطري مغربها ، وما بينهما من العالم ، يهدي من يشاء من خلقه فيسدده ، ويوفقه إلى الطريق القويم وهو الصراط المستقيم . ويعني بذلك إلى قبلة إبراهيم الذي جعله للناس إماما . ويخذل من يشاء منهم فيضله عن سبيل الحق . وإنما عنى جل ثناؤه بقوله : يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قل يا محمد إن الله هدانا بالتوجه شطر المسجد الحرام لقبلة إبراهيم وأضلكم أيها اليهود والمنافقون وجماعة الشرك بالله ، فخذلكم عما هدانا له من ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً يعني جل ثناؤه بقوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام ، وبما جاءكم به من عند الله ، فخصصناكم التوفيق لقبلة إبراهيم وملته ، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل ؛ كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأَديان بأن جعلناكم أمة وسطا . وقد بينا أن الأَمة هي القرن من الناس والصنف منهم وغيرهم . وأما الوسط فإنه في كلام العرب : الخيار ، يقال منه : فلان وسط الحسب في قومه : أي متوسط الحسب ، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه ، وهو وسط في قومه وواسط ، كما يقال شاة يابسة اللبن ، ويبسة اللبن ، وكما قال جل ثناؤه : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً وقال زهير بن أبي سلمى في الوسط : هم وسط ترضي الأَنام بحكمهم * إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم قال : وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين ، مثل " وسط الدار " ، محرك الوسط مثقله ، غير جائز في سينه التخفيف . وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه ، ولاهم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به ؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه ، فوصفهم الله بذلك ، إذ كان أحب الأَمور إلى الله أوسطها . وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل ، وذلك معنى الديار لأَن الخيار من الناس عدولهم . ذكر من قال : الوسط العدل . حدثنا سالم بن جنادة ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : ثنا حفص بن غياث ، عن الأَعمش ، عن أبي صالح عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً قال : " عدولا " حدثنا مجاهد بن موسى ومحمد بن بشار ، قالا : ثنا جعفر بن عون ، عن الأَعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله . حدثنا محمد بن بشار قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان عن الأَعمش عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً قال : " عدولا " . حدثني علي بن عيسى ، قال : ثنا سعيد بن سليمان ، عن حفص بن غياث ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً قال : " عدولا " . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً قال : عدولا حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز وجل : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً قال : عدولا . حدثني المثنى ، قال : ثنا حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : أُمَّةً وَسَطاً